الجاحظ
235
رسائل الجاحظ
أن يخرج منه وهو فيه . فإذا أخبر اللّه أنه في السماوات والأرض ، وقلتم ان الدنيا كلها لا تخلو منه ، وإنه فيها ، فإذا كان الأمر كذلك ، وكانت الدنيا محدودة ، كان الذي يكون في بعضها أو في كلها محدودا ، إذا كان لم يجاوزها . ولو جاوزها لخرج إلى مكان ، ولا يجوز أن يخرج منها إلا إلى مكان . وقالوا : قد أخبر اللّه أنه في السماوات والأرض ، واللّه لا يخاطب عباده إلا بما يعقلون ، ولو خاطبهم بما لا يعقلون لكان قد كلفهم ما لا يطيقون ، ومن خاطب من لا يفي بالفهم عنه فقد وضع المخاطبة في غير موضعها . فهذا ما قال القوم . [ 24 - رد الجاحظ على دليل المشبهة الأخير : يجب الأخذ بالمعنى المجازي لا الأصل ] ونحن نقول : إن الشيء قد يكون في الشيء على وجوه ، وسنذكر لك الوجوه ، ونلحق كل واحد منها بشكله وبما يجوز فيه ، إن شاء اللّه تعالى . قلنا للقوم : أليس قد خاطب اللّه الصم البكم الذين لا يعقلون ، والذين خبر أنهم لا يستطيعون سمعا ؟ فإن قالوا : إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى ، والمتصامم أصم ، ويقولون لمن عمل عمل من لا يعقل ، وإنما الكلام محمول على كلام . وذلك أن المتعامي إذا تعامى ، صار في الجهل كالأعمى ، فلما أشبهه من وجه سمي باسمه . قلنا : قد صدقتم ، ولكن ليس الأصل . والمستعمل في تسميتهم بالعمي إنما هو الذي لا ناظر له . فإذا قالوا ذلك ، قلنا : فلم زعمتم أن له ناظرا ، وأخذتم بالمجاز والتشبيه ، وتركتم الأصل الذي هذا الاسم محمول عليه ؟ فإن قالوا : إنما قلنا من أجل أن الأول لا يجوز على اللّه تعالى ، والثاني جائز عليه ، واللّه لا يتكلم بكلام إلا ولذلك الكلام وجه إما أن يكون هو الأصل والمحمول عليه ، وإما أن يكون هو الفرع والاشتقاق الذي تسميه العرب مجازا .